الشيخ محمد رشيد رضا
110
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) والخطاب للمؤمنين في عصر التنزيل وقد تقدم في تفسيره ان هذه الأمة تكون بسيرتها شهيدة على الأمم السابقة وحجة عليها في انحرافها عن هدي المرسلين ، وان الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يكون بسيرته العالية وسنته المعتدلة حجة على المفرطين والمفرطين من أمته اتباعا للبدع الطارئة والتقاليد المحدثة من بعده فراجع تفصيل ذلك في أول الجزء الثاني من التفسير . واما الحديث الذي أشار اليه الأستاذ فهو ما روى احمد والبخاري في صحيحه والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن مسعود أنه قال قال لي رسول اللّه ( ص ) « اقرأ عليّ » قلت يا رسول اللّه أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال « نعم أحب أن أسمعه من غيري » فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ » الخ فقال « حسبك الآن » فإذا عيناه تذرفان . فليت شعري هل يعتبر المسلمون بهذا وهم المشهود عليهم كما اعتبر الشهيد الأعظم فيبكون لتذكر ذلك اليوم كما بكى ، ويستعدون باتباع سنته ، واجتناب جميع البدع والتقاليد الدينية التي لم تكن في عهده ، لأن يكونوا كاصحابه أمة وسطا لا تفريط عندها في الدين ولا إفراط لا في أمور الجسد ولا في أمور الروح أم يظلون سادرين في غلوائهم ، مقلدين لآبائهم ، ألا يعلمون كيف يكون حال الكافرين والعاصين في ذلك اليوم ؟ * * * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ قيل إن هذا استئناف لبيان حال الكافرين التي أشير إلى شدتها والظاهر عندي انه جواب « فكيف » في الآية قبلها ومعنى تلك الآية فكيف يكون حال الناس إذا جئنا من كل أمة بشهيد الخ والجواب يومئذ يود أي يحب ويتمنى الذين كفروا وعصوا الرسول فلم يتبعوا ما جاء به ان يصيروا ترابا تسوى بهم الأرض فيكونوا وإياها سواء كما قال في آخر سورة النبأ « وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » وقيل أن يدفنوا وتسوى بهم الأرض أو تسوى عليهم كما تسوى على الموتى عادة . وقيل يتمنون أن تكون الأرض لهم فيدفعونها فدية فتكون مساوية لهم ( 5 : 39 إِنَّ الَّذِينَ